
ريتا شهوان
في منطق “الواقعية التبادلية” الذي نصفه، يتحول التحالف من علاقة قيم ومواقف إلى “عضوية” داخل شبكة مالية تقودها وول ستريت وتتغذى من رؤوس الأموال السيادية الخليجية. وخارج هذه الشبكة يُعامل الطرف كخصم أو كيان “غير ملتزم”، فيُعاقَب اقتصادياً إلى أن يعود للتفاوض بشروط السوق.
التحالف كعضوية مالية
في هذا النظام، لا يُسأل الحليف: “هل أنت ديمقراطي/أيديولوجي قريب؟” بل: “هل أنت متداخل مالياً معنا؟”. معيار القرب يصبح قابلًا للقياس: حجم استثمارات الصناديق السيادية في الأسهم والسندات الأمريكية، وحجم الإدراجات المشتركة، وعمق العلاقات المصرفية بالدولار، ومدى اعتماد الشركات الوطنية على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد المرتبطة بالولايات المتحدة.
هنا يصبح الاقتصاد “منظماً” لأن قواعده ليست خطابات سياسية، بل قواعد دخول وخروج: وصول إلى السوق الأمريكي، وصول إلى الدولار، وصول إلى التقنية، وصول إلى رأس المال. كلما زاد اندماجك في هذه المداخل، زادت حصانتك السياسية، لأن معاقبتك ستؤذي أيضاً مصالح مستثمرين وشركات داخل المنظومة نفسها.
كيف يُقاس الولاء عملياً
أداة القياس الأولى هي السوق: ما الذي يرفعه البيت الأبيض إلى “مؤشر نجاح”؟ ارتفاع الاستثمار الداخل للولايات المتحدة، تحسن الميزان التجاري، وعودة الصناعة، وازدهار شركات التقنية والطاقة والدفاع. وتصبح قرارات الرسوم والتجارة رسالة سياسية بقدر ما هي قرار اقتصادي، لأن فرض “تعرفة عامة” مثل دخول تعرفة 10% حيّز التنفيذ يوضح أن الإدارة تفضل أدوات الربح والضغط السريع على مسارات عقابية طويلة ، كما تُعرض السياسات الجمركية في الولاية الثانية باعتبارها محوراً أساسياً لإعادة ترتيب العلاقات التجارية.
أما الأداة الثانية فهي “إشارة السوق” نفسها: عندما يربط المستثمرون استراتيجيتهم بقرارات البيت الأبيض (“لا تقاتل البيت الأبيض”) فهذا يعني أن السياسة الخارجية والداخلية تُقرأ مباشرة من خلال حركة الأسهم والتوقعات، لا عبر البيانات الدبلوماسية التقليدية.
من هو “خارج السوق”… ولماذا يُعاقَب؟
في منطق ترامب التبادلي، من يرفض الانضمام المالي (أو يحاول بناء مسار مستقل عن الدولار والتقنية والأسواق) يُعتبر أنه يحاول كسر قواعد اللعبة التي تضمن الربح والنفوذ. لذلك يصبح “الخارج” معرّضاً للعقوبة ليس لأنه مختلف أيديولوجياً، بل لأنه يهدد آلية التحويل من النفوذ إلى ربح.
أشكال العقوبة هنا تميل لأن تكون “قابلة للتسعير والتفاوض”:
رسوم جمركية سريعة ترفع تكلفة صادراته وتُجبره على إعادة التفاوض.
قيود تقنية (تصدير شرائح/ذكاء اصطناعي/مكونات حساسة) لتجفيف قدرته على المنافسة.
تضييق مالي: صعوبة الوصول لرأس المال، وتكاليف أعلى للتمويل والتأمين والشحن، وتدقيق تنظيمي على الشركات المرتبطة به.
“إنذار تفاوضي”: العقوبة لا تُقدَّم كعقاب أخلاقي دائم، بل كسقف ضغط يُرفع بمجرد تقديم تنازل مادي.
بهذا المعنى، العقوبة تتحول إلى “فاتورة”: ادفع (استثمر، اشترِ، افتح سوقك، غيّر شروطك)، تُرفع القيود؛ ارفض، تتراكم الكلفة.
الأسواق الخليجية كرافعة للنظام
الأسواق الخليجية—خصوصاً الإمارات والسعودية—تعمل كجسر بين فائض رأس المال العالمي وبين مركز التسعير والتكنولوجيا الأمريكي. عندما تُدار الشراكات عبر صفقات اقتصادية وتجارية رسمية، تصبح العلاقة قابلة للترجمة إلى أرقام ومشاريع ومشتريات وتدفقات استثمار، أي إلى مكاسب “تُعرض” كإنجاز سياسي داخلي أمريكي. هذا يخلق شبكة مصالح: وول ستريت يستفيد من التدفقات، والخليج يكتسب وصولاً أعلى للتقنية والشراكات، وواشنطن تحصل على نفوذ قابل للتحصيل.
“الانضمام أو العقوبة”
إذا واجهت دولة خيارين: (1) الدخول في صفقات استثمار/شراء/شراكة تكنولوجية ضمن المنظومة، أو (2) بناء مسار مستقل يخفف ارتباطها بالدولار والأسواق الأمريكية؛ فإن المنطق التبادلي يُرجّح أن تُستخدم أدوات مثل التعرفات والقيود التنظيمية لدفعها من الخيار الثاني إلى الأول، تماماً كما تُستخدم التعرفات كأداة ضغط مركزية في هذه المقاربة. وفي المقابل، تُقدَّم “صفقات” لتخفيف الضغط مقابل التزامات اقتصادية قابلة للقياس.