النكبة المستمرة - حين يصبح الزمن شاهدًا لا شاهدًا عليه
السبت 16 أيار 2026

 

 

 

وفاء بهاني

لم تعد النكبة حدثًا مؤرَّخًا في كتب التاريخ، ولا رقمًا يُستعاد كل عام في نشرات الأخبار.

النكبة اليوم كائن حيّ، يتنفّس بيننا، ويتمدد في تفاصيل حياتنا اليومية.

في عام 1948، ظنّ العالم أن التهجير هو نهاية الحكاية، وأن الخريطة التي رُسمت بالدم ستثبت مع الزمن.

لكن الزمن نفسه تمرّد… وها نحن اليوم، بعد أكثر من سبعة عقود، لا نحيي ذكرى النكبة، بل نعيش فصلًا جديدًا منها، أكثر قسوة وإبادة.

هذا العام تحديدًا، لا تأتي النكبة كذكرى، بل كحرب.

حرب تهجيرية استيطانية تتكثف ملامحها في الضفة الغربية، حيث لم يعد الاقتحام حدثًا عابرًا، بل سياسة يومية تعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا معًا.

أرض تُنهب، وبيوت تُقتلع، وواقع يُفرض بالقوة، في محاولة مستمرة لاقتلاع الإنسان من جذوره، لا من أرضه فقط.

وفي القدس، تتجاوز المعركة حدود السيطرة إلى معركة على الهوية نفسها.

فالمسجد الأقصى لم يعد مجرد مكان يُقتحم، بل ساحة يُراد إعادة تعريفها بالكامل؛

اقتحامات متكررة، وطقوس تلمودية تُمارَس في باحاته، ومسيرات أعلام تستعرض القوة في فضائه، وحلقات تعليمية تهويدية تحاول فرض رواية جديدة على حساب الحقيقة.

إنها محاولة ممنهجة، لا لاحتلال المكان فحسب، بل لاحتلال الوعي والذاكرة.

أما في مخيمات اللجوء في لبنان، فثمة نكبة أخرى، صامتة لكنها عميقة.

هناك، يعيش اللاجئ الفلسطيني نكبة متواصلة منذ عام 1948، تتراكم فوقها أزمات لا تنتهي:

حرمان من الحقوق الإنسانية الأساسية، قيود قانونية واجتماعية، تداعيات الحروب، وواقع اقتصادي خانق يجعل الحياة اليومية معركة بقاء.

نكبة لا تُقاس فقط بما فُقد، بل بما يُمنع أن يُستعاد.

نكبة تتجدد في تفاصيل الحياة الصغيرة: في العمل الممنوع، في الفرصة المؤجلة، وفي الإحساس الدائم بأن هذا الإنسان عالق خارج الزمن والحقوق.

وتتعمق هذه المعاناة مع أزمات وكالة الأونروا، التي كان يُفترض أن تكون شاهدًا على النكبة وحامية لحقوق اللاجئين، فإذا بها تتحول — تحت وطأة السياسات الدولية — إلى جزء من أزمة يعيشها اللاجئ يوميًا.

تقليص في الخدمات، وتراجع في الرعاية، وضغوط متزايدة على القطاعات التعليمية.

في المدارس، لا يقتصر الأمر على ضعف الإمكانيات، بل يمتد إلى ما هو أخطر:

تغييرات في المناهج، وحذف أو تغييب لمفاهيم أساسية، ومحاولات لإعادة صياغة الوعي الجمعي للأجيال الجديدة.

إنها ليست مجرد تعديلات تعليمية، بل مسار يُخشى أن يقود إلى تفريغ القضية من مضمونها، عبر ما يمكن وصفه بمحاولات "أسرلة" ناعمة للوعي، تبدأ بالمصطلح ولا تنتهي عند الرواية.

وفي موازاة ذلك، تتسع الفجوة بين معاناة الناس وخطاب التمثيل السياسي.

يشعر اللاجئ، في كثير من الأحيان، أن قضيته تُدار من بعيد، وأن صوته يغيب وسط صراعات المصالح والحسابات، بينما تبقى معاناته اليومية بلا أولوية حقيقية.

كل ذلك يحدث فيما يُفترض أن تكون هذه اللحظة لحظة توحّد، لا تباعد.

لكن الواقع يكشف عن أزمة أعمق: أزمة تمثيل، وأزمة ثقة، وأزمة قيادة قادرة على ترجمة معاناة الناس إلى فعل حقيقي.

النكبة اليوم ليست فقط ما يُرتكب من جرائم، بل ما يُكشف منها.

هي لحظة انكشاف شامل: للسياسات، وللمواقف، وللخطابات التي لم تعد تقنع أحدًا.

ما نعيشه الآن ليس مجرد امتداد للنكبة…

بل تكثيف لها.

نكبة تتكرر، لكنها هذه المرة أوضح، أقسى، وأكثر تعرية للحقيقة.

ولهذا، فإن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط ما يحدث على الأرض،

بل ما يُراد أن يُمحى من الوعي.

في هذه الذكرى، لا نقف لنرثي الماضي،

بل لنواجه الحاضر كما هو: بمقاومة غول الاستيطان، ومقاومة المحتل، ووقف كل أشكال التنسيق الأمني، والتصدي لاستباحة المسجد الأقصى من قبل المتطرفين والفاشيين الصهاينة، وعلى رأسهم بن غفير.

ولعل فصلًا جديدًا من فصول النكبة يتمثل في انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في ذكرى النكبة، حيث يُعلن رئيس الحركة ورئيس السلطة، محمود عباس، التمسك باتفاق أوسلو، حتى لو كان اتفاقًا خيانيًا.

وهذا يشكل تحديًا واضحًا لكل الدعوات المطالبة بإلغاء أوسلو سيّئ السمعة والصيت، والذي لم يجلب للشعب الفلسطيني، طوال أكثر من ثلاثة عقود، سوى سلطة خاضعة للاحتلال، تتصدى للمقاومين، وتعتقلهم، وتمنع مقاومة المحتل، وتكرّس واقع الاحتلال مقابل الحفاظ على مصالح فئوية على حساب قوت الشعب والمشروع الوطني الحقيقي.

إن انعقاد المؤتمر في ذكرى النكبة ليس تفصيلًا عابرًا، بل تصرف مخزٍ ومهين لا يمكن اعتباره صدفة.

لقد ابتُلي شعبنا وحركته الوطنية بسلطة تضع مصالحها فوق مصالح الوطن.

ولا يستقيم كفاح شعبنا ضد الاحتلال إلا بزوال هذه الحالة، التي تشكل عقبة أمام مواجهة المحتل وطرده من أرضنا، ضمن عملية متكاملة تقوم على قيادة وطنية موحّدة، مؤتمنة على برنامج مقاوم، ورؤية سياسية واضحة، وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني ليقود معركة المواجهة، ميدانيًا وقانونيًا.

النكبة لم تنتهِ فصولًا…

لكن الكبار، قبل أن يموتوا، ورّثوا المفاتيح، والتشبث بالأرض، وحق العودة.

الكبار يموتون… والصغار لا ينسون.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية