مجزرة دير قانون النهر - حين يصبح المدنيون أهدافًا
Osama
الأربعاء 20 أيار 2026

أسامة الحسيني 

لم تَعُدِ الغاراتُ تُقنِعُ أحدًا بذريعةٍ عسكرية أو أمنية، فالصورة باتت أكثر وضوحًا من أيّ وقت مضى، منازل تُسوّى بالأرض فوق ساكنيها، أطفال يُخرَجون من بين الركام، وعائلات تُمحى بالكامل خلال لحظات قليلة.

 

في بلدة دير قانون النهر جنوبي لبنان، لم تكن الغارة الإسرائيلية التي وقعت يوم الثلاثاء مجرّد حادثة جديدة تُضاف إلى سجلّ الحرب الطويل، بل مجزرة إنسانية بكل ما للكلمة من معنى. اربعة عشر شخصًا استشهدوا دفعة واحدة، من بينهم عائلة لبنانية بأكملها، إضافة إلى سوريَّين جمعهما المكان نفسه والمصير ذاته.

قاسم، ربّ الأسرة، لم يكن رجل مواجهة ولا صاحب أي دور عسكري أو سياسي. كان عاملاً بسيطًا في قطاع البناء، يحاول منذ انتهاء حرب 2024 أن يُعيد ترميم حياته المدمَّرة، تمامًا كما كان يرمّم الجدران المتشققة بيديه. منزله كان قد تضرّر سابقًا إثر غارة قريبة أودت بحياة شقيقته، ومع ذلك حاول أن يبدأ من جديد. عرفه أبناء بلدته بطيبته وحضوره الدائم في المناسبات الاجتماعية، وبسعيه المتواصل لتأمين حياة متواضعة وكريمة لعائلته.

 

عملية رفع الأنقاض ما زالت مستمرة في بلدة دير قانون النهر جراء غارة الأمس

إلى جانبه رحلت زوجته، كما فقدت العائلة ابنتين مع أطفالهما. خمسة أطفال كانوا بين الضحايا، أطفال لم يعرفوا من الدنيا سوى ألعابهم الصغيرة، ومقاعد الدراسة، والأحلام البسيطة التي تشبه أحلام كل طفل. لم تكن لهم أي علاقة بالحرب أو السياسة، لكن الموت وصل إليهم من دون إنذار، وقطع عنهم فرصة أن يكبروا ويعيشوا حياتهم.

 

كما إستُشهِد أسامة، الابن الذي لم يكن منشغلاً سوى بعمله وتأمين رزقه اليومي بكرامة، بعيدًا عن أي نزاعات أو مشاكل. شاب عادي وجد نفسه فجأة ضمن قائمة الشهداء، فقط لأنه كان في ذلك المنزل.

 

ومن بين الشهداء أيضًا علاء، المسعف والمتطوع في الهيئة الصحية الإسلامية، وصهر العائلة، الذي عُرف بين الناس باستجابته الدائمة للحالات الإنسانية ومساعدته للمحتاجين والجرحى. لم يحمل سوى مهمته الإنسانية، لكن حتى العاملين في الإسعاف لم يعودوا بمنأى عن الاستهداف في هذه الحرب.

الناجي الوحيد من العائلة كان عبدالله، الابن من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذي كُتب له النجاة للمرة الثانية بعدما كان قد نجا سابقًا من استهداف خلال حرب 2024.

 

المأساة اليوم لم تعد تُقاس فقط بعدد الشهداء، بل بحجم الاعتياد على هذه المشاهد. المجازر تمرّ سريعًا في نشرات الأخبار، والبيانات الدولية تصدر بعبارات باردة، فيما تُدفن عائلات كاملة تحت التراب في مشهد يتكرر يوميًا. الأخطر أن يتحوّل موت المدنيين والأطفال إلى خبر عابر لا يثير سوى دقائق قليلة من الاهتمام.

ما حدث في دير قانون النهر ليس حادثة منفصلة، بل صورة تختصر واقع الجنوب بأكمله: عائلات مدنية تُستهدف وهي تحاول أن تعيش، وأناس يُقتلون فقط لأنهم بقوا في أرضهم رغم الحرب.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية