أسامة الحسيني
يبدو أن التصعيد الإسرائيلي الكبير في لبنان لا يمكن فصله عن المسار السياسي الإقليمي، وتحديدًا عن احتمال وصول التفاهمات بين إيران والولايات المتحدة إلى مرحلة تُفضي إلى وقف نار شامل أو تسوية أوسع في المنطقة. ففي مثل هذه اللحظات الحساسة، يتحول الميدان إلى ساحة سباق محموم لفرض الوقائع قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
الهدف الإسرائيلي لا يبدو مقتصرًا على البعد العسكري المباشر، بل يتعداه إلى محاولة إنتاج مشهد سياسي واستراتيجي جديد يمكن استثماره لاحقًا. ولهذا تسعى إسرائيل إلى تحقيق عدة أهداف متوازية في وقت قصير.
أول هذه الأهداف هو السيطرة على أكبر قدر ممكن من الجغرافيا اللبنانية، أو على الأقل تثبيت نقاط انتشار وتوغل تُستخدم لاحقًا كورقة ضغط في أي مفاوضات مقبلة. فالميدان بالنسبة إلى إسرائيل ليس مجرد ساحة قتال، بل وسيلة لرسم حدود النفوذ المؤقتة قبل تثبيت أي تفاهم سياسي.
أما الهدف الثاني، فهو تحقيق اختراقات ميدانية ذات قيمة إعلامية وسياسية، تسمح للقيادة الإسرائيلية بالقول إنها حققت “إنجازات” قبل وقف النار، سواء عبر احتلال نقاط حدودية أو تنفيذ عمليات نوعية أو فرض واقع أمني جديد ولو بشكل مؤقت.
وفي الداخل الإسرائيلي، تحتاج الحكومة إلى صورة نصر تُقدَّم للرأي العام، خصوصًا في ظل الضغوط السياسية والعسكرية المتراكمة. لذلك يصبح أي تقدم ميداني، ولو محدودًا، مادةً تُستخدم لترميم صورة الردع وإظهار أن الحرب لم تنتهِ من دون مكاسب.
كذلك، يبدو أن الضغط على البيئة المدنية اللبنانية يدخل ضمن أدوات المعركة. فالتصعيد الواسع وما يرافقه من تهجير للسكان واستهداف للبنى التحتية، يهدف أيضًا إلى دفع الدولة اللبنانية نحو تقديم تنازلات سياسية أو أمنية تحت وطأة الضغط الشعبي والإنساني.
تاريخيًا، غالبًا ما تصل الجبهات إلى ذروة الاشتعال قبل بدء المفاوضات الجدية. فكل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي عبر جمع أكبر عدد ممكن من “الأوراق” قبل وضعها على الطاولة. لذلك لا يكون التصعيد دائمًا مؤشرًا على غياب الحلول، بل أحيانًا يكون مقدمة قاسية لولادتها.
في المقابل، تبدو مهمة المقاومة الأساسية في هذه المرحلة منع إسرائيل من تثبيت أي صورة انتصار أو فرض نقاط احتلال دائمة يمكن تحويلها إلى أمر واقع سياسي. وحتى لو لم تستطع منع كل أشكال التوغل بشكل كامل، فإن قدرتها على استنزاف القوات الإسرائيلية وإجبارها لاحقًا على التراجع تبقى عنصرًا حاسمًا في مسار المواجهة.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى في حرب تموز 2006، عندما حاولت إسرائيل في الأيام الأخيرة قبل وقف النار تثبيت مواقع احتلال ميدانية تمنحها صورة نصر سياسي وعسكري قبل دخول القرار 1701 حيّز التنفيذ في 14 آب. إلا أن فشلها في تثبيت تلك الوقائع حرمها من ترجمة الحرب إلى إنجاز استراتيجي واضح.
واليوم، يبدو أن المعادلة نفسها تتكرر: إسرائيل تبحث عن صورة نصر، فيما تسعى المقاومة إلى منعها من الحصول عليها، لأن صورة النصر في الحروب الحديثة قد تكون أحيانًا أهم من مساحة الأرض نفسها.