لبنان على حافة التصعيد... أم أمام مرحلة احتواء؟
Osama
الجمعة 26 حزيران 2026

أسامة الحسيني 

منذ توقف المواجهات الواسعة، يطرح اللبنانيون السؤال نفسه يوميًا: هل انتهت الحرب فعلًا، أم أننا نعيش مجرد هدنة مؤقتة قد تنهار في أي لحظة؟

برأيي، ووفق المعطيات المتوافرة حتى الآن، فإن العودة إلى حرب واسعة شبيهة بما شهدناه خلال الأشهر الماضية ليست السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، لكنها تبقى احتمالًا قائمًا إذا تبدلت الظروف السياسية أو العسكرية.

حتى الآن، لا تزال الولايات المتحدة تقود مسارًا دبلوماسيًا يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال تنفيذ التفاهمات المتعلقة بالانسحاب والترتيبات الأمنية، رغم التعقيدات التي تعترض هذا المسار. وفي المقابل، لا تزال إسرائيل تحتفظ بوجودها في عدد من النقاط داخل جنوب لبنان، الأمر الذي يجعل المشهد هشًا وقابلًا للاهتزاز، لكنه لا يعني تلقائيًا أن قرار الحرب الشاملة قد اتُّخذ.

المتابعة الميدانية تشير إلى أن إسرائيل تواصل اعتماد سياسة الضغط العسكري عبر الغارات والعمليات المحدودة، من دون الانتقال حتى الآن إلى عملية برية واسعة. ويبدو أن هذه السياسة تحقق لها جزءًا من أهدافها الأمنية، من دون أن تتحمل الكلفة الباهظة التي تفرضها حرب جديدة على أكثر من جبهة.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود عوامل قد تدفع الأمور نحو التصعيد. فحادثة كبيرة تُوقع خسائر بشرية مؤثرة، أو انهيار الوساطات الدولية، أو صدور قرار سياسي بالتصعيد من أي طرف، أو اتساع المواجهة الإقليمية، كلها عوامل قادرة على قلب المشهد خلال ساعات.

ومن خلال متابعة ما يصدر عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ووسائل الإعلام العبرية، يبدو أن إسرائيل لا تستبعد أي خيار، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو متحمسة لفتح حرب شاملة في هذه المرحلة. فهناك إدراك داخل إسرائيل بأن أي مواجهة واسعة ستكون مكلفة عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، ولذلك يُلاحظ تفضيل استمرار سياسة الضربات الموضعية مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.

وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل التمسك ببعض المواقع داخل الجنوب، انطلاقًا من ثلاثة أهداف رئيسية كما تعلن: إنشاء منطقة أمنية عازلة على الحدود، ومنع إعادة تمركز حزب الله في المناطق الحدودية، واستخدام هذا الوجود كورقة ضغط في المفاوضات المتعلقة بالترتيبات الأمنية والانسحاب.

أما لبنان، فيتمسك بمطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، ويعتبر استمرار وجود القوات الإسرائيلية احتلالًا يجب إنهاؤه، فيما تستمر الوساطات الدولية في محاولة للوصول إلى تنفيذ كامل للتفاهمات.

إذا أردنا تلخيص السيناريوهات المطروحة، فيمكن اختصارها بثلاثة احتمالات:

السيناريو الأول: وهو الأكثر ترجيحًا، ويتمثل في استمرار الوضع الحالي، أي مواصلة الغارات المحدودة والعمليات الأمنية المتفرقة، مع بقاء بعض القوات الإسرائيلية في مواقع معينة داخل الجنوب، واستمرار المفاوضات بالتوازي مع التوتر الميداني.

السيناريو الثاني: تصعيد محدود، قد ينتج عن حادث أمني كبير يؤدي إلى ردود عسكرية أوسع، من دون الوصول إلى مستوى حرب شاملة.

السيناريو الثالث: اندلاع حرب واسعة، وهو الاحتمال الأقل ترجيحًا في الوقت الراهن، لكنه يبقى قائمًا إذا انهارت التفاهمات السياسية أو وقع تطور ميداني كبير يغيّر قواعد الاشتباك.

وفي المقابل، تراقب إسرائيل عن كثب عدة مؤشرات، أبرزها قدرة حزب الله على إعادة الانتشار قرب الحدود، ومستوى إعادة بناء قدراته، ومدى الالتزام بالترتيبات الأمنية، إضافة إلى نتائج الوساطات والتفاهمات الإقليمية.

في تقديري، وبالاستناد إلى المعطيات الحالية، فإن الأشهر المقبلة ستبقى محكومة بمعادلة الضغط العسكري المتقطع والتفاوض السياسي، أكثر من معادلة الحرب الشاملة. لكن هذا لا يعني أن الخطر قد زال، لأن الجبهة الجنوبية ما زالت تعيش حالة من "الهدوء الهش"، حيث يمكن لأي حادث كبير أو قرار سياسي أن يغيّر المشهد بالكامل خلال ساعات، وليس خلال أسابيع.

من هنا، يبدو أن المنطقة لا تعيش سلامًا حقيقيًا، ولا حربًا مفتوحة، بل مرحلة انتقالية دقيقة عنوانها "اللا حرب واللا سلم"، إلى أن تتضح نتائج المفاوضات أو تفرض التطورات الميدانية واقعًا جديدًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الجهود السياسية في تثبيت التهدئة، أم أن الجنوب يعيش بالفعل مرحلة حرب مؤجلة؟

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية