زياد منصور
منذ الثاني من آذار، بدا واضحًا أن الدولة اللبنانية اتخذت قرارًا بحصر سلطتها الأمنية والعسكرية، فاعتبرت حزب الله، بجناحيه العسكري والأمني، قوة خارجة عن الشرعية، وجعلت من إنهاء دوره المسلح أولوية سياسية وأمنية. وبعد أشهر، جاء البيان اللبناني–الأميركي–الإسرائيلي ليؤسس لمسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل، في تحول لافت من منطق المواجهة إلى مقاربة تقوم على التفاوض وإدارة الخلاف.
لكن هذا التحول كشف، في نظر منتقدين، مفارقة في أداء الدولة. فمن جهة، اعتمدت خطابًا صارمًا في الداخل، وأظهرت استعدادًا لاستخدام كامل أدواتها في مواجهة حزب الله تحت عنوان بسط السيادة وحصرية السلاح. ومن جهة أخرى، بدا تعاملها مع إسرائيل أكثر مرونة، رغم استمرار الاحتلال لأجزاء من الأراضي اللبنانية وتواصل الاعتداءات، من دون تحقيق انسحاب كامل أو توفير ضمانات واضحة لحماية السيادة الوطنية.
هذا التباين يطرح تساؤلات حول مفهوم السيادة الذي تتبناه السلطة. فإذا كانت السيادة تعني رفض أي قوة تنازع الدولة قرارها، فلماذا يُطبَّق هذا المبدأ بحزم في الداخل، بينما يُدار الصراع مع إسرائيل بمنطق التدرج والتسويات؟ ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن الدولة اختارت مواجهة الطرف اللبناني، في حين تعاملت مع الضغوط الخارجية بمنطق الاستجابة للوقائع أكثر من فرضها.
وبحسب هذا الطرح، فإن اتفاق الإطار لا يعكس فقط اختلالًا في ميزان القوى، بل يعبر أيضًا عن خيار سياسي يرى فيه منتقدوه ميلًا إلى التكيف مع الشروط الأميركية والإسرائيلية، بدلاً من التمسك بسقف المطالب اللبنانية التقليدية. ويذهب هؤلاء إلى اعتبار أن السلطة قدمت تنازلات تحت عنوان الواقعية السياسية، وأنها باتت، في نظرهم، أكثر انسجامًا مع أجندة تدعمها واشنطن وتل أبيب، فيما بقي خطاب السيادة يُمارس بصورة أشد في الداخل منه في مواجهة التحديات الخارجية.
وبذلك، تبدو السيادة، وفق هذا الرأي، وكأنها تُمارس وفق موازين القوة لا وفق مبدأ ثابت؛ فتشتد في مواجهة الأضعف، وتتراجع أمام الأقوى، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة الخيارات التي اعتمدتها الدولة اللبنانية في هذه المرحلة.