حين يصبح الضجيج دليلاً على القيمة
Osama
الأحد 20 أيلول 2026

 

 

 

 

بقلم: أسامة الحسيني

لم يعد السؤال في زمن المنصات الرقمية: ماذا لديك لتقول؟

بل أصبح، في كثير من الأحيان: كم شخصًا استطعت أن تجعل ينظر إليك؟

تغيّر ميزان الأهمية بهدوء، حتى وجدنا أنفسنا أمام عالم تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات، ويُختصر فيه النجاح بعدد المتابعين، وتتحول فيه الشهرة من نتيجة محتملة لما يقدمه الإنسان إلى هدف قائم بذاته.

لم يعد ضرورياً أن تكون عالماً أو مفكراً أو أديباً أو صاحب تجربة استثنائية حتى تحتل مساحة واسعة من اهتمام الناس. أحياناً يكفي مقطع لا يتجاوز ثواني، أو تصرف غريب أمام الكاميرا، أو جملة مستفزة، أو خلاف مفتعل، كي يصبح صاحبه حديث الناس لساعات أو أيام.

وهنا تكمن المفارقة: ما ينتشر أكثر ليس بالضرورة ما يستحق أكثر.

من «القيمة» إلى «قابلية الانتشار»

في الإعلام التقليدي، رغم كل ما كان يعتريه من عيوب، كانت هناك بوابات تفصل نسبياً بين الحدث والهامش. محرر يختار، وصحيفة ترتب أولوياتها، وقناة تقرر ما يستحق أن يكون في مقدمة نشرتها.

أما اليوم، فقد دخل لاعب جديد إلى غرفة التحرير: الخوارزمية.

والخوارزمية لا تسأل عادةً إن كان المحتوى عميقاً أو مفيداً أو جديراً بالبقاء في ذاكرة المجتمع. ما يهمها في المقام الأول هو التفاعل: هل توقفت عند المنشور؟ هل شاهدته حتى النهاية؟ هل علّقت؟ هل شاركته؟ هل عدت إليه؟

ومن هنا نشأت مفارقة غريبة: قد يكون المحتوى الذي أثار غضبك أكثر نجاحاً رقمياً من المحتوى الذي أفادك.

حتى التعليق الذي تكتبه للاعتراض على محتوى سخيف قد يتحول، من حيث لا تدري، إلى مساهمة في زيادة انتشاره.

وهكذا أصبح الاستفزاز صناعة، والجدل وسيلة تسويق، والفضيحة أحياناً اختصاراً للطريق نحو الشهرة.

اقتصاد الانتباه

نحن لا نعيش فقط في عصر المعلومات، بل في عصر اقتصاد الانتباه.

هناك ملايين الصور والمقاطع والأخبار والمنشورات التي تتنافس كل دقيقة على مورد محدود جداً: انتباه الإنسان.

ولأن الوقت محدود والمنافسة هائلة، أصبح المحتوى مطالباً بأن يخطف العين بسرعة.

عنوان أكثر إثارة.

صورة أكثر غرابة.

جملة أكثر استفزازاً.

فضيحة أكبر.

مشهد أكثر صدمة.

وبالتدريج، أصبح الهدوء عيباً تسويقياً، وأصبحت التفاصيل عبئاً، وأصبح التفكير الطويل منافساً ضعيفاً أمام مقطع لا يتجاوز عشر ثوانٍ.

ليس لأن الإنسان فقد قدرته على التفكير، بل لأن البيئة الرقمية نفسها تدفعه إلى الانتقال المستمر من شيء إلى آخر.

الشهرة لم تعد مرادفاً للإنجاز

ربما كان أخطر ما صنعه زمن «التريند» هو الخلط بين مفهومين مختلفين تماماً: الشهرة والقيمة.

يمكن للإنسان أن يكون مشهوراً من دون أن يقدم شيئاً مهماً، كما يمكن لإنسان شديد الأهمية أن يعيش بعيداً تماماً عن الأضواء.

طبيب يقضي سنوات في علاج الناس قد لا يعرف اسمه إلا مرضاه.

باحث يعمل سنوات على دراسة علمية قد لا يحصد بضعة آلاف من القراءات.

معلم يترك أثراً في حياة مئات الطلاب قد لا يمتلك حساباً على منصة اجتماعية أصلاً.

وفي المقابل، يستطيع شخص أن يصبح معروفاً بين ليلة وضحاها بسبب موقف عابر أو فيديو غريب أو عبارة أثارت السخرية.

المشكلة ليست في أن يصبح هذا الشخص مشهوراً؛ فالشهرة ظاهرة اجتماعية قد تحدث لأسباب كثيرة.

المشكلة تبدأ عندما نعامل الشهرة بوصفها شهادة كفاءة.

فعدد المتابعين لا يجعل صاحبه خبيراً في الاقتصاد، وعدد المشاهدات لا يحوّل الرأي إلى حقيقة، والانتشار لا يمنح صاحبه معرفة في الطب أو السياسة أو التربية أو التاريخ.

لكن الحدود بين هذه المجالات أصبحت أكثر ضبابية.

الجميع يريد أن يتحدث

في الماضي كان السؤال: «ماذا تعرف؟»

اليوم أصبح أحياناً: «لماذا لا تقول رأيك؟»

وهكذا وجد الإنسان نفسه تحت ضغط دائم كي يمتلك موقفاً من كل شيء.

حرب اندلعت صباحاً؟ عليه أن يحللها ظهراً.

أزمة اقتصادية؟ يصبح خبيراً مالياً.

مرض جديد؟ يقدم النصائح الطبية.

حادثة قضائية؟ يصدر الحكم.

خلاف اجتماعي؟ يحدد المخطئ والمصيب.

ولا بأس في أن يكون للإنسان رأي. المشكلة في اختفاء المسافة بين الرأي والمعرفة.

الرأي حق للجميع، أما المعرفة فلها شروطها.

وحين تختفي هذه الحدود، تصبح الثقة العالية في الكلام أحياناً أكثر تأثيراً من دقته.

التفاهة ليست جديدة

من الخطأ الاعتقاد أن السطحية وُلدت مع وسائل التواصل.

لطالما أحب البشر الحكايات والفضائح والغرائب والترفيه، منذ الأسواق القديمة وصولاً إلى الصحافة الشعبية والتلفزيون.

الجديد ليس وجود المحتوى السطحي.

الجديد هو حجم الآلة التي تستطيع تضخيمه وسرعة عملها.

في الماضي كان الخبر التافه يحتاج إلى وسيلة إعلام كي يصل إلى الملايين. اليوم يستطيع هاتف في غرفة صغيرة أن يصنع خلال ساعات ظاهرة يعرفها نصف بلد.

وهذه، في ذاتها، ليست سيئة بالضرورة. فالآلية نفسها سمحت أيضاً لأشخاص موهوبين، وأصحاب قضايا إنسانية، ومبادرات صغيرة، وأصوات كانت مهمشة، بأن تصل إلى جمهور لم يكن متاحاً لها سابقاً.

إذن المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في ما نكافئه نحن بانتباهنا.

عندما يصبح الإنسان منتجاً

ثمة تحول أعمق يحدث خلف الشاشة.

لم يعد الإنسان مستخدماً للمنصة فقط؛ بل أصبح هو نفسه جزءاً من المنتج.

صورته، يومياته، آراؤه، غضبه، علاقاته، سفره، طعامه وحتى أحزانه أصبحت مادة قابلة للنشر والقياس.

ومع الوقت قد يبدأ البعض في النظر إلى حياته بعين الجمهور:

هل هذه اللحظة تستحق التصوير؟

هل هذا الكلام سيحقق مشاهدات؟

هل هذه المشكلة يمكن تحويلها إلى محتوى؟

وهنا يصبح الخط الفاصل بين الحياة الحقيقية والحياة المعروضة أكثر هشاشة.

قد يعيش الإنسان لحظة جميلة، لكنه ينشغل بتوثيقها أكثر من عيشها.

وقد تحدث له مأساة، فيجد نفسه يفكر بطريقة عرضها قبل أن يمنح نفسه فرصة لفهمها.

إنها مرحلة غريبة يصبح فيها الإنسان ممثلاً ومخرجاً ومسوقاً ومحلل بيانات لحياته الشخصية في الوقت نفسه.

المقارنة التي لا تنتهي

للتريند وجه آخر أقل ضجيجاً لكنه أكثر تأثيراً في النفس.

حين يفتح الإنسان هاتفه، لا يرى حياة الآخرين كاملة؛ يرى النسخة المنتقاة منها.

يرى السفر ولا يرى سنوات العمل.

يرى النجاح ولا يرى المحاولات الفاشلة.

يرى الجسد المثالي ولا يعرف ظروف الصورة.

يرى المنزل الجميل ولا يرى القرض.

يرى الابتسامة ولا يعرف ما يحدث بعد إغلاق الكاميرا.

ثم يقارن حياته، بكل فوضاها وتفاصيلها اليومية، بلحظات مختارة بعناية من حياة الآخرين.

إنها مقارنة غير عادلة منذ البداية.

ومع ذلك، يستطيع العقل أن يقع في فخها بسهولة.

موت الذاكرة السريعة

الغريب أن الشهرة في عصر التريند ضخمة وسريعة، لكنها غالباً قصيرة العمر.

شخص يملأ الشاشات اليوم، ثم يختفي بعد أسبوع.

قصة تشغل الملايين صباحاً، ثم لا يتذكرها أحد مساء اليوم التالي.

فضيحة تبدو وكأن العالم توقف عندها، ثم تأتي فضيحة جديدة فتدفن القديمة.

نحن أمام ذاكرة جماعية شديدة السرعة وشديدة النسيان.

ولهذا فإن مطاردة التريند تشبه الركض خلف قطار لا يصل إلى محطة أخيرة.

كل نجاح يحتاج إلى نجاح أكبر.

كل رقم يحتاج إلى رقم أعلى.

كل انتشار يصبح عادياً بمجرد حدوثه.

وهكذا يمكن للشهرة التي كان يُفترض أن تمنح صاحبها شعوراً بالإنجاز أن تتحول إلى قلق دائم من الاختفاء.

هل الجمهور بريء؟

من السهل إلقاء اللوم كله على المنصات.

لكن الحقيقة أكثر تعقيداً.

الخوارزمية تتعلم، إلى حد كبير، من سلوكنا.

نحن من نتوقف.

نحن من نشاهد.

نحن من نشارك.

نحن من ندخل إلى التعليقات كي نرى المشاجرة.

وحين نشكو بعد ذلك من أن المحتوى السطحي أصبح في كل مكان، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً غير مريح:

كم مرة ساهمنا نحن في انتشاره؟

ليس كل ما نراه اختياراً مباشراً منا بالتأكيد، فالمنصات تستخدم أنظمة توصية معقدة، لكن انتباه الجمهور يبقى الوقود الأساسي لهذه المنظومة.

ولهذا فإن مقاومة السطحية لا تبدأ بحذف التطبيقات، ولا بمحاربة الترفيه، ولا بتحويل الإنترنت إلى مكتبة أكاديمية ثقيلة.

تبدأ بشيء أبسط: أن نستعيد حقنا في اختيار ما يستحق وقتنا.

لسنا بحاجة إلى إلغاء الترفيه

ليس المطلوب أن يصبح كل منشور درساً في الفلسفة، ولا أن نشعر بالذنب لأننا ضحكنا على فيديو بسيط.

الإنسان يحتاج إلى الترفيه، والسخرية، والراحة، والأشياء الخفيفة.

المشكلة ليست في المحتوى الخفيف، بل في أن يصبح هو المقياس الوحيد للنجاح والأهمية.

المجتمع الصحي يستطيع أن يضحك على مقطع طريف، وفي الوقت نفسه يعرف الفرق بين صاحبه وبين العالم والطبيب والمفكر والصحافي المتخصص.

يستطيع الاستمتاع بالترفيه من دون أن يمنحه سلطة معرفية لا يمتلكها.

ما يبقى بعد انطفاء الشاشة

بعد سنوات، لن يكون مهماً كم مرة تصدر شخص ما قائمة الأكثر تداولاً.

معظم «تريندات» اليوم ستصبح مجهولة حتى لمن شاركوا فيها.

ما يبقى عادة هو الأثر.

فكرة غيّرت إنساناً.

كتاب فتح نافذة جديدة.

معلم صنع جيلاً.

طبيب أنقذ حياة.

باحث أضاف معرفة.

فنان صنع عملاً قاوم الزمن.

إنسان ترك وراءه شيئاً أفضل مما وجده.

لهذا ربما نحتاج في عصر الأرقام إلى إعادة تعريف كلمة «مهم».

ليس المهم دائماً من يراه الجميع.

وليس الناجح دائماً من يسمع الناس اسمه أكثر.

وليس المؤثر بالضرورة من يمتلك أكبر عدد من المتابعين.

هناك أناس لا يتصدرون «التريند» أبداً، لكن أثرهم يستمر سنوات.

وهناك من يحتلون الشاشة كلها للحظة، ثم لا يتركون وراءهم شيئاً عندما تنطفئ.

في زمن أصبح فيه الضجيج سهلاً، ربما أصبحت القيمة الحقيقية أكثر هدوءاً.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية